أبي منصور الماتريدي
563
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
والعاكف : المقيم . وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ منهما جميعا . وقيل « 1 » : العاكفون : المجاورون ؛ يعنى : من أهل مكة والقادمين إليها . وقوله : وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً . قد ذكرنا الوجه في قوله : آمِناً . وقوله : وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ . لما علم أن المكان ليس بمكان ثمر ولا عشب دعا ، وسأل ربه : أن يرزق أهله عطفا على أهله ، وعلى كل من ينتاب إليه من الآفاق . ثم خص المؤمنين بذلك ؛ لوجوه : أحدها : أنه لما أمرهما بتطهير البيت عن الأصنام والأوثان ظن أنه لا يجعل لسوى أهل الإيمان هنالك مقاما ؛ فخص لهم بالدعاء ، وسؤال الرزق . والثاني : أنه أراد أن يجعل آية من آيات الله ؛ ليرغّب الكفار إلى دين الله ، فيصيروا أمة واحدة ؛ فكان كقوله : وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ . . . الآية [ الزخرف : 33 ] . ووجه آخر قيل : لما كان قيل له : لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ فلعله « 2 » خشي أن يخرج ذلك مخرج المعونة لهم على ما فيه العصيان . وفي ذلك : أن لا بأس ببيع الطعام من الكفرة . ولا يصير ذلك كالمعونة على ما هم عليه . ويحتمل الدعاء المبهم للكفرة : القبح ؛ إذ ذلك اسم من يعبد غير الله . وقوله : قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا . بالنعم ؛ لأن الدنيا دار محنة ، لا توجب النظر إلى المستحق للنعم من غير المستحق ، ولا إلى الولي من العدو في الدنيا . وأما الآخرة فهي دار جزاء ، ليست بدار محنة ؛ فيوجب النظر إلى المستحق للنعم من غير المستحق . ومعنى قوله : قَلِيلًا لأن الدنيا كلها قليل . ثم الامتحان على وجهين : امتحان بالنعم ، وامتحان بالشدائد .
--> ( 1 ) قاله مجاهد وعكرمة ، أخرجه ابن جرير عنهما ( 2022 ) ، وانظر تفسير البغوي ( 1 / 114 ) . ( 2 ) في ط : فعله .